
في مشهد لا يتجاوز مدته 4 ثوانٍ ضمن فيلم The Wind Rises، استغرق فريق Studio Ghibli أكثر من 15 شهرًا لإنهائه، وتحديدًا لتنفيذ لقطة الحشود التي تعتبر واحدة من أكثر المشاهد تعقيدًا من حيث التفاصيل والحركة.
هذا الزمن الإنتاجي غير المسبوق قد يبدو مبررًا في إطار الإبداع الفني التقليدي، لكنه في الواقع أصبح غير منطقي تقنيًا في ظل ما تتيحه الأدوات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي.
لماذا يُعد هذا المثال نموذجًا على التناقض الإنتاجي؟
- من وجهة نظر فنية، المشهد عبقري بلا شك، ويعكس روح هاياو ميازاكي والتزامه العاطفي الصادق بالرسم اليدوي.
- لكن من منظور تقني وإنتاجي، نحن نتحدث عن استثمار موارد ضخمة (زمن، تكلفة، طاقة بشرية) لإخراج مشهد يمكن تحقيقه اليوم في أقل من شهر – بل ربما في ساعات – باستخدام أدوات وتقنيات متاحة.
التقنيات البديلة التي يمكن أن تسرّع الإنتاج دون التضحية بالجودة:
- استخدام الكاميرا الحقيقية وتصوير المشهد كمادة مرجعية (Video Reference) ثم رسم الإطارات يدويًا بناءً عليها.
- تحويل الحشود إلى نماذج ثلاثية الأبعاد (3D)، ثم تحويلها إلى نمط ثنائي الأبعاد (2D Rendered) للحفاظ على الطابع البصري.
- توليد الحشود عبر محركات محاكاة (Crowd Simulation)، مثل Unreal Engine أو Blender مع أدوات الذكاء الاصطناعي.
- دمج الأدوات الرقمية مع الرسم اليدوي عبر تقنيات الـ Frame Interpolation والـ In-between AI Assistance.
كل ذلك يُنتج في النهاية مشهدًا Frame by Frame، بنفس التفاصيل البصرية، لكن بزمن وتكلفة إنتاجية أقل بكثير.
المشكلة ليست في الأداة… بل في طريقة التفكير
الاعتماد على الذكاء الاصطناعي أو الأدوات الحديثة لا يعني “استبدال” الفنان، بل تسخير الأدوات لخدمة رؤيته.
- المستخدم العادي لأدوات الذكاء الاصطناعي سيظل في إطار إنتاج سريع سطحي، غالبًا بدون روح.
- أما الفنان المتمكن فيمكنه توظيف نفس الأدوات لصناعة محتوى احترافي، يحمل بصمته، ويعكس رؤيته الإبداعية بدقة شديدة.
التقنية لا تُلغي الفن، بل تُعيد تعريف سير العمل الفني بما يتماشى مع التطور الزمني.
الصدمة التكنولوجية أمر طبيعي
كل تطور تقني يُقابل في بدايته برفض أو مقاومة، خاصة في الصناعات الإبداعية. لكن ما يحدث الآن هو ليس مجرد “ترند”، بل تحول جذري في أدوات الإنتاج.
والفارق الجوهري اليوم ليس في من يستخدم الأدوات، بل فيمن يعرف كيف يوظّفها ليحافظ على القيمة الفنية، ويُضاعف من الإنتاجية.
الرسالة للفنانين وصنّاع المحتوى:
إذا كانت لديك أدوات قادرة على إنجاز ما كان يتطلب سنة، خلال شهر أو حتى يوم، فأنت مسؤول عن كيفية توظيفها لخدمة مشروعك، لا رفضها بدعوى الأصالة.
الذكاء الاصطناعي لا يُلغي دورك… بل يُعيد تشكيله بطريقة أكثر كفاءة، إذا كنت أنت من يقوده.